فخر الدين الرازي
56
لباب الاشارات والتنبيهات
وأما المشهورات التي لا تكون أولية : فهي قضايا إنما حكم الإنسان بها ، لا لأجل أن مجرد تصور موضوعه ومحموله ، يوجب ذلك الحكم بل إما لمزاج ، أو لإلف وعادة ، أو لاستقراء بعض الأحكام وهو كحكمنا بأن الظلم قبيح ، والعدل حسن . وإنما عرفنا أن هذه القضايا ليست أولية ، لأن الانسان لو توهم نفسه أنه خلق دفعة واحدة تام العقل ، ولم يسمع أدبا ، ولم يشاهد أمرا من الأمور ، لم يقض في مثله هذه القضايا ، بل يتوقف فيها . ولقائل أن يقول : إنك إما أن تدعى بأن جزم العقل بهذه المشهورات ، لا يمكن أن يساوى جزم العقل بالأوليات في القوة ، أو تجوز ذلك فإن لم تجوز ذلك ، لم تفتقر إلى هذا الفرق وإن جوزت استواءهما في القوة ، لم يحصل الفرق بهذا الفارق فإنك إن فرضت زوال جميع العوارض عن نفسك ، لكن فوض زوالها ، لا يكفى في حصول زوالها فلعلك حال ما فرضت زوالها بأسرها ، لكنها ما زالت وإذا احتمل عدم الزوال ، احتمل أن يكون الجزم بتلك البديهيات المشهورات ، لأجل بقاء شئ من تلك الهيئآت في النفس . وحينئذ لا يمكن الاستدلال بالجزم التام في الأوليات ، على كونها حقة . وحينئذ يلزم السفسطة . وأما الوهميات الصرفة ، فهي قضايا كاذبة إلا أن وهم الانسان يقضى بها قضاء شديد القوة . مثل اعتقادنا أن كل موجود في جهة ، وإن كل مقدار ، فلابد وأن ينتهى إلى خلاء أو ملاء . أما الطريق إلى معرفة كذبها فمن وجهين : الأول : إنه ليس كل موجود متوهما . فإن الوهم غير متوهم .